صديق الحسيني القنوجي البخاري
67
فتح البيان في مقاصد القرآن
[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 20 إلى 27 ] قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ( 20 ) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 21 ) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ ( 22 ) قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ ( 23 ) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ( 24 ) قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَ لا تَسْتَمِعُونَ ( 25 ) قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ( 26 ) قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ( 27 ) قالَ موسى مجيبا لفرعون فَعَلْتُها إِذاً أي فعلت هذه الفعلة التي ذكرت وهي قتل القبطي وَأَنَا إذ ذاك مِنَ الضَّالِّينَ أي : الجاهلين قاله ابن عباس فنفى عليه الصلاة والسلام عن نفسه الكفر ، وأخبر أنه فعل ذلك على الجهل قبل أن يأتيه العلم الذي علمه اللّه ، وقيل : المعنى من الجاهلين أن تلك الوكزة تبلغ القتل ، وقال أبو عبيدة : من الناسين ، وقيل : من المخطئين . قال ابن جرير : العرب تضع الضلال موضع الجهل والجهل موضع الضلال . فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ أي خرجت من بينكم إلى مدين كما في سورة القصص لَمَّا خِفْتُكُمْ أن تقتلوني وذلك حين قاله له مؤمن من آل فرعون : إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ [ القصص : 20 ] ، الآية . فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً أي نبوة أو علما وفهما ، وقال الزجاج : المراد بالحكم تعليمه التوراة التي فيها حكم اللّه . وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ أي من جملة رسله رد بذلك ما وبخه به فرعون قدحا في نبوته وهو القتل بغير حق ووجه الرد أن موهبة الحكم والنبوة كانت بعد تلك الحادثة . وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ قيل هذا الكلام من موسى على جهة الإقرار بالنعمة ، كأنه قال نعم تلك التربية نعمة تمن بها عليّ ، ولكن لا يدفع ذلك رسالتي ، وبهذا قال الفراء وابن جرير . وقيل : هو من موسى على جهة الإنكار أي أتمنّ عليّ بأن ربيتني وليدا ، وأنت قد استعبدت بني إسرائيل وقتلتهم ، وهم قومي قال الزجاج : المفسرون أخرجوا هذا على جهة الإنكار لأن يكون ما ذكر فرعون نعمة على موسى ، واللفظ لفظ خبر ، وفيه تبكيت للمخاطب على معنى أنك لو كنت لا تقتل أبناء بني إسرائيل لكانت أمي مستغنية عن قذفي في البحر ، فكأنك تمنّ على ما كان بلاؤك سببا له ، وذكر نحوه الأزهري بأبسط منه . وقال المبرد : يقول . التربية كانت بالسبب الذي ذكرت من التعبّد ، أي : تربيتك إياي كانت لأجل التملك والقهر لقومي . وقيل : إن في الكلام تقدير الاستفهام ، أي : أو تلك نعمة ؟ قاله الأخفش وأنكره النحاس قال الفراء : ومن قال : إن الكلام إنكار قال : أو تلك نعمة ؟ أي ليست هذه نعمة حتى تمنّ بها عليّ .